كشف تقرير حديث صادر عن لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، وهي منظمة دولية مستقلة غير ربحية مقرها الولايات المتحدة تُعنى بالدفاع عن حرية الصحافة حول العالم، أن عام 2025 سجل أعلى حصيلة قتلى في صفوف الصحفيين منذ بدء توثيق البيانات قبل أكثر من ثلاثة عقود.
وبحسب التقرير الذي ينشر الموقع بوست أبرز مضامينه قُتل ما لا يقل عن 129 صحفياً وعاملاً في المجال الإعلامي خلال عام 2025، وهو الرقم الأعلى على الإطلاق، متجاوزاً الأرقام القياسية السابقة، في مؤشر على تصاعد غير مسبوق في المخاطر التي تواجه الصحفيين حول العالم.
وأوضح التقرير أن 104 من أصل 129 حالة قتل وقعت في سياقات نزاعات مسلحة، ما يعكس العلاقة المباشرة بين تصاعد الحروب وارتفاع استهداف الصحفيين.
وقال إن استمرار فشل القيادات الحكومية في حماية الصحافة أو محاسبة من يهاجمونها يمهّد أيضا الطريق لمزيد من عمليات القتل، بما في ذلك في دول لا تشهد نزاعًا مسلحا، حيث قُتل صحفيون في المكسيك والهند والفلبين عام 2025، وهي دول لم تتمكن على الدوام من ضمان تحقيق العدالة في القتل المتعمّد للصحفيين.
وأكدت أن هذا الوضع يعكس تصاعدا في عمليات القتل تراجعا أوسع في حرية الصحافة وسلامة الصحفيين عالميا، حيث سُجن عدد شبه قياسي من الصحفيين عام 2025، وتعرّضوا لحملات تشهير وملاحقات قانونية تهدف إلى تجريم العمل الصحفي، إلى جانب تصاعد الهجمات الرقمية والجسدية، في ظل تصاعد الخطاب العدائي تجاه الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، حتى في الدول التي يُفترض أنها ديمقراطية.
ودعت لجنة حماية الصحفيين إلى إجراء إصلاحات جذرية في طرق التحقيق التي تعتمدها الحكومات في القتل المتعمّد للصحفيين، بما في ذلك إنشاء فريق تحقيق دولي وفرض عقوبات محددة الهدف على المسؤولين.
وتحدثت جودي جينسبيرغ، الرئيسة التنفيذية للجنة حماية الصحفيين عن استهداف الصحفيين بالقتل، وقالت إن ذلك أظهر أعدادا قياسية في وقت أصبحت فيه الحاجة إلى المعلومات الموثوقة أكثر إلحاحًا من أي وقتٍ مضى.
وأشارت إلى إن الهجمات على وسائل الإعلام تُعد مؤشرا مبكرا على تراجع أوسع في الحريات الأساسية، وأن الحاجة ملحّة لاتخاذ تدابير فعالة لمنع قتل الصحفيين وضمان محاسبة المسؤولين عنها، فعندما يُقتل الصحفيون بسبب عملهم، فإن ذلك يقوّض حق الجمهور في المعرفة ويعرّض الجميع للخطر، وفق تعبيرها.
وأشار التقرير إلى أن الغالبية الساحقة من الضحايا سقطوا أثناء تغطيتهم للنزاعات، ما يجعل عام 2025 الأكثر خطورة على الإطلاق بالنسبة للعمل الصحفي في مناطق الحروب.
وسلّط الضوء على أن إسرائيل كانت مسؤولة عن نحو ثلثي حالات القتل خلال العام، في سابقة هي الأولى من نوعها، حيث اعتُبرت الأكثر استهدافاً للصحفيين مقارنة بأي جهة عسكرية أخرى منذ بدء توثيق البيانات عام 1992.
وبيّن أن العدد الأكبر من الضحايا كانوا صحفيين فلسطينيين يعملون في قطاع غزة، في ظل استمرار الحرب، مشيراً إلى أن أكثر من 60% من القتلى الذين سقطوا بنيران إسرائيل كانوا من الفلسطينيين.
وتضمن التقرير إشارات مباشرة إلى اليمن، حيث أُدرجت البلاد ضمن مناطق النزاع التي شهدت سقوط صحفيين، من بينها حادثة بارزة تمثلت في مقتل 31 صحفياً في ضربة استهدفت مركزاً إعلامياً تابعاً للحوثيين، ما يعكس حجم المخاطر التي يواجهها الإعلاميون في البلاد.
وأشار إلى أن أنماط استهداف الصحفيين أصبحت أكثر خطورة وتنظيماً، حيث ارتفع عدد عمليات القتل باستخدام الطائرات المسيّرة من حالتين فقط في 2023 إلى 39 حالة في 2025، في تطور لافت يعكس تغير طبيعة النزاعات وأدواتها.
كما لفت إلى أن نسبة كبيرة من عمليات القتل صنفت كـقتل متعمد، مع تسجيل إسرائيل نسبة كبيرة من هذه الحالات، ما يثير مخاوف حقوقية متزايدة بشأن استهداف الصحفيين بشكل مباشر.
ورغم تركّز العدد الأكبر من الضحايا في غزة، أشار التقرير إلى ارتفاع نسبي في عدد القتلى في دول أخرى، منها: إسرائيل 86 حالة، السودان: 9 حالات، والمكسيك: 6 حالات، وأوكرانيا: 4 حالات، والفلبين: 3 حالات، وحالة واحدة في اليمن.
وأكدت لجنة حماية الصحفيين أن أحد أبرز العوامل التي ساهمت في تصاعد هذه الانتهاكات هو غياب التحقيقات الشفافة وعدم محاسبة المسؤولين، مشيرة إلى أن معظم القضايا لم تشهد أي إجراءات قانونية جدية.
وأضاف التقرير أن استمرار هذا الوضع يعزز مناخ الإفلات من العقاب، ويشجع على تكرار الجرائم بحق الصحفيين، خاصة في مناطق النزاعات المسلحة.
وأشار إلى أن عام 2025 يمثل السنة الثانية على التوالي التي تُسجل رقما قياسيا في عدد قتلى الصحفيين، بعد أن كان عام 2024 قد سجل رقماً مرتفعا أيضا، ما يعكس اتجاهاً تصاعدياً خطيراً في استهداف الإعلاميين عالميا.
حذرت اللجنة من أن استمرار النزاعات المسلحة وغياب آليات الحماية الدولية الفعالة قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في أوضاع حرية الصحافة، مؤكدة أن الصحفيين أصبحوا في قلب خطوط النار بشكل غير مسبوق.
ومن المؤشرات التحذيرية الواضحة في أرقام عام 2025 – وفقا للجنة - ارتفاع عدد الصحفيين الذين قُتلوا بواسطة الطائرات المسيّرة (الدرون)، وسجلت اللجنة ارتفاعا حادا في حالات القتل المشتبه بها والموثقة لأفراد الصحافة، من حالتين فقط في عام 2023 — وهو العام الأول الذي وثقت فيه اللجنة مثل هذه الحوادث — إلى 39 حالة في عام 2025، وأكدت اللجنة أو رجّحت تورط طائرات عسكرية مسيّرة في 33 من هذه الحوادث.
ويكشف تقرير لجنة حماية الصحفيين أن عام 2025 كان الأكثر دموية في تاريخ العمل الصحفي، مع مقتل 129 إعلامياً، معظمهم في مناطق النزاع، وعلى رأسها غزة، مع تسجيل اليمن ضمن بؤر الخطر، في ظل تصاعد القتل المتعمد وغياب المساءلة الدولية، ما ينذر بمستقبل أكثر خطورة لحرية الصحافة عالمياً.