الكلمة ليست مجرد أحرف تُرص، بل هي أمانة تنوء بحملها الجبال، فإما أن تكون قبسا من نور يهدي التائهين ويكشف عورات الظالمين وإما أن تتحول إلى سوط في يد الجلاد أو صك براءة لقاتل أو رداء تلميع لوجه سلطة كالح لا يرى في الشعب إلا أرقاما وعبيدا. إن الحقيقة هي العدو اللدود والدائم لكل من بنى مجده على جماجم الأبرياء أو شيد قصوره من أموال الفقراء وهي الكابوس الذي يقض مضجع الفاسد، والزلزال الذي يهدد أركان الدكتاتور ولذلك تجد هؤلاء يستثمرون في (الصحفي الأجير)، ذاك الكائن المتلون الذي يبيع ضميره في سوق النخاسة ويجعل من حبر قلمه (مكياجا) يغطي به قبح الجرائم وبشاعة النهب. إلى كل من اتخذ من الصحافة مهنة وإلى كل من ضل الطريق خلف لمعان الدراهم، يجب أن تدركوا أن الصحافة رسالة لا سلعة ومهمتها الأولى هي الانحياز للمظلوم لا التملق للظالم، فالصحفي الذي يقتات على فتات الموائد ليلمع صورة الفساد ليس إلا شريكا في الجريمة، بل هو أخطر من القاتل لأن قلمه يقتل الحقيقة ويغتال الوعي العام. إن الحياد في معركة الحق والباطل خيانة صريحة، فلا توجد وجهة نظر في سرقة رغيف الخبز ولا رأي آخر في إزهاق الأرواح والصمت مقابل الدفع أو التبرير للمجرم هو طعنة نافذة في صدر العدالة والفضيلة. على كل من خان ميثاق الشرف الصحفي أن يعلم أن الكلمة باقية والمنصب زائل والتاريخ لا يرحم، فهو لا يذكر الصحفيين الذين صفقوا للطغاة إلا في قوائم العار، بينما تظل أسماء الشرفاء الذين دفعوا أثمانا باهظة من أجل كلمة صدق منارات تلهم الأجيال. إن استعادة الثقة المفقودة في الإعلام لا تكون بالشعارات الجوفاء بل بالعودة إلى الميدان ونبش الملفات المسكوت عنها والوقوف بصلابة في وجه المرجفين أعداء الحق والفضيلة الذين استمرأوا الباطل. إن الصحفي الملتزم هو ذاك الذي يدرك أن حبره مقدس كقداسة دماء الضحايا فلا يسيل الا دفاعا عن الحق والفضيلة، عن الوطن وثوابته التي تحكم مسارات الحياة بأكملها. لقد آن الأوان لتطهير هذا المحراب المقدس من الأدعياء والمنافقين وكفى ارتهانا للدرهم والدينار وكفى تزييفاً للوعي الجمعي، فالسلطة التي تحتاج إلى تلميع هي سلطة مهترئة بالضرورة والفساد الذي يحتاج إلى تغطية هو عفن سينفجر يوماً في وجه من حاول ستره. لتكن الصحافة كما أراد لها الشرفاء، صوت من لا صوت لهم وسيف الحق المسلول في وجه كل ظالم وفاسد ونهّاب، بعيداً عن دنس التكسب وحقارة العمالة. *من صفحة الكاتب على فيسبوك