بن مبارك: ما يجري في اليمن نتاج تراكمات خاطئة ومؤتمر الحوار كسر احتكار القوة
- خاص الإثنين, 05 يناير, 2026 - 04:26 مساءً
بن مبارك: ما يجري في اليمن نتاج تراكمات خاطئة ومؤتمر الحوار كسر احتكار القوة

[ رئيس الوزراء السابق أحمد عوض بن مبارك ]

قال رئيس الوزراء الأسبق أحمد عوض بن مبارك إن ما يجري اليوم في اليمن ليس انحرافاً عن مسار سليم، بل نتيجة منطقية لمقدمات خاطئة تراكمت طويلاً.

 

وأشار في مقال بصحيفة الشرق الأوسط إن من مقدمات تلك التراكمات الفشل في بناء دولة جامعة، وعجز عن إدارة التنوع، وتغليب لأجندات خارجية، وتفضيل دائم لمنطق الغلبة على منطق العقد والتوافق، معتبرا من لا يقرّ بهذه المقدمات، لا يمكنه أخلاقياً أن يقرّ نتائجها.

 

واعتبر بن مبارك إن المشكلة في اليمن لم تكن يوماً في وجود التنوع، بل في تحويله من معطى تاريخي إلى عبء سياسي، قائلا إن اليمن لم يكن مجتمعاً أحادي البنية ولا دولة مركزية صلبة، بل كان مجتمعاً متعدد الأقاليم، غنياً بالأعراف والنظم المحلية، قائماً على توازنات دقيقة بين المركز والأطراف، ولم يكن مجتمع هويات متصارعة، بل كان مجتمعاً واحداً بتنوُّعٍ قابل للإدارة حين وُجد الإطار السياسي المناسب.

 

وأشار إلى أن الخلل بدأ حين جرى تجميد التنوع داخل إطار هوية جامعة بدل إدارته، وحين تحوّلت الهوية من إطار انتماء إلى أداة فرز سياسي وسلاح صراع.

 

وأردف: "عندها لم يعد السؤال: من نحن؟ بل: من معنا ومن ضدنا؟ وهنا تحولت الهوية من نهر حيّ قابل للتعدد إلى حجر صلب يُلقى في وجه الآخر".

 

وأكد أن الفساد كان حاضراً بوصفه نمط حكم، وليس انحرافاً عارضاً، وأنه جرى توظيف القضايا الوطنية الكبرى -من الدولة إلى الوحدة إلى الحرب- غطاءً لمصالح خاصة وتراكم نفوذ لصالح شبكات ضيقة.

 

وذكر أن الفساد لم يكن مجرد اختلاس موارد، بل كان إفساداً للمعنى العام، حين تتحول الدولة إلى غنيمة، والوظيفة العامة إلى ملكية، والقضية الوطنية إلى استثمار، مشيرا إلى أنه بهذا المناخ يفقد الخطاب السياسي قيمته، وتُقوَّض شرعية النخب، ويُفتح الباب أمام قوى أشد عنفاً تزعم التطهير بينما تعيد إنتاج الفساد بأدوات أقسى.

 

وقال إن الفيدرالية ليست أصل الأزمة ولا حلها السحري، بل هي جزء من التجربة اليمنية، لكنها لا تكون نعمة إلا ضمن دولة حديثة عادلة، معتبرا أنه في غياب الدولة تتحول اللامركزية إلى فوضى، وفي غياب العدالة تتحول الوحدة إلى قسر، وأن المشكلة ليست في الشكل، بل في مضمون الدولة.

 

وأشار إلى أنه لا يمكن التعامل مع تجربة مؤتمر الحوار الوطني بخفة، معتبرا أن قيمته لم تكن في كونه قدّم حلولاً نهائية، بل في أنه كسر احتكار القوة للسؤال السياسي وفتح أفق التفكير على بدائل غير قائمة على الغلبة، ولم يكن الحوار نهاية الطريق، بل بدايته، والخطأ لم يكن فيه بل في تعطيله بالقوة أو تقديس مخرجاته من دون تطوير، وفق تعبيره.

 

واعتبر استجابة السعودية لدعوة شخصيات ومكونات جنوبية لعقد مؤتمر جامع يناقش القضية الجنوبية بأبعادها التاريخية والاجتماعية، والأهم السياسية، بوصفها فرصة جدية لاختبار الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق السياسة.

 

وقال إن قيمة هذه الخطوة لا تكمن في كونها حلاً جاهزاً، بل في فتح مساحة سياسية منظّمة لمعالجة قضية مؤجلة ضمن إطار حوار لا يقوم على الإقصاء أو فرض الأمر الواقع، وهي فرصة إن أُحسن التعامل معها يمكن أن تشكّل محطة في طريق معركتنا الكبرى لاستعادة الدولة.

 

وأشار إلى أن منطق الغلبة كان الخيط المشترك في معظم لحظات الهدم في تاريخ اليمن، وأن الدولة التي تُبنى بالقوة تُهدم بالقوة، والمجتمع الذي يُدار بالإقصاء لا يُنتج إلا صراعاً مؤجلاً، معتبرا أن هذه خلاصة تجربة قاسية دفع اليمنيون ثمنها مراراً.

 

واعتبر أن السؤال الجوهري الآن يتعلق بكيف نبني دولة عادلة، تتسع لتنوع كل اليمنيين، وتُنهي هذه الحلقة المفرغة من الغلبة والانقسام، وقال إن الخروج من المأزق لن يكون بالشعارات أو الاصطفافات السهلة، بل بالشجاعة الأخلاقية والفكرية لمواجهة الأسئلة الصعبة، مختتما بالقول: "دائماً هناك فرصة، لكن الخطر الحقيقي أن نُضيّعها مرة أخرى".


التعليقات