بين زحام المدن الأوروبية الكبرى ، وفي مكاتب التوظيف التي تشهد يوميا قصص الطموح والبحث عن الفرص ، تبرز وجوه شابة تحمل معها حكاياتٍ ملهمة. من بين تلك الوجوه ، تلمع ابتسامة شابة مغربية اسمها (حياة)، حولت الغربة إلى فرصة ، والتعب إلى نجاح ، وصنعت لنفسها طريقا يليق باسمها... مشروع حياة. في مكتب أنيق لا يبعد كثيرا عن وسط مدينة ستراسبورغ ، العاصمة الأوربية النابضة بالحياة ومقر البرلمان الأوربي ، تستقبلك شابة في مقتبل العمر بوجه بشوش وابتسامة واثقة ، تقول بلطفٍ مهني: أهلًا بك.. كيف يمكنني خدمتك؟ اسمها (حياة)، واسمها ليس مجرد صدفة ، بل انعكاس لمسيرتها كلها ، فهي مشروع حياة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. تعمل في واحدة من أهم الشركات المتخصصة في استقبال الباحثين عن عمل والتنسيق مع الشركات ، لتساعد الناس على العثور على فرصهم المهنية. في حضورها مزيج من القوة والرقة ، من الحزم والإصغاء ، ومن يعرفها يدرك فورا أنها تجيد عملها بإتقان. لكن ما يلفت الإعجاب ليس ما وصلت إليه ، بل الطريق الطويل الذي سلكته لتصل. هي قصة كفاح ونجاح بدأت عام 2015 ، حين جاءت حياة من المغرب إلى فرنسا ، حاملة معها أحلاما كبيرة وإصرارا لا يلين. كانت البداية مع جدتها وجدها من جهة الأم ، اللذين كانا يقيمان في فرنسا وساعداها على القدوم لتبدأ فصلاً جديدا من حياتها. عاشت معهما سنوات مليئة بالدفء، حتى رحلت جدتها التي كانت الأقرب إلى قلبها ، فاستقلت بعدها بنفسها لتبدأ رحلتها الصعبة نحو الاستقرار. منذ أيام دراستها ، لم تعرف حياة الراحة. كانت تدرس وتعمل في الوقت نفسه ، تقول بابتسامة ممزوجة بالتعب والاعتزاز: كنت مضطرة للعمل. أحيانا أعود إلى البيت في منتصف الليل ، أخرج من الجامعة وأذهب إلى عملي ، وفي الصباح أستيقظ الرابعة فجرا لأذهب إلى العمل ، أحمل ملابسي معي ، أبدلها لاحقا وأذهب إلى الدروس. هكذا استمر حالي لسنوات حتى استقر وضعي. واصلت مشوارها الدراسي بحماس ، وحصلت على الإجازتين الأولى في الموارد البشرية ، والثانية في المحاسبة ، بعد أن كانت قد درست في المغرب. ولأنها اختارت تخصصاتٍ تتماشى مع حاجات سوق العمل، لم تنتظر طويلاً حتى تجد فرصتها. عملت في عدة شركات ، قبل أن تُعيَّن عام 2022 في منصبها الحالي ، ضمن واحدة من أبرز المؤسسات الرائدة في مجال التوظيف وإدارة الموارد البشرية. كان لعائلة (حياة) دور كبير في رحلتها ، فوالداها في المغرب كانا الداعم الأكبر لها ، يمدانها بالتشجيع والدعاء في كل خطوة ، ويذكرانها دائما بأن الغربة طريق النجاح لمن يؤمن بنفسه. تقول بابتسامة: "كنت أشعر بهما معي دائما، رغم المسافة بيننا." كما كان أخوها في مدينة ليون سندها القريب ، يساندها بالنصيحة والمساعدة كلما احتاجت ، ليمنحها حضورا عائليا يخفف من قسوة الغربة ويزيدها ثقة في مواصلة طريقها نحو النجاح. تقول بثقة وابتسامة صادقة: العمل كبير والمسؤولية كبيرة ، لكني أشعر بسعادة حقيقية عندما أساعد الناس في الحصول على عمل. لا أقبل أي مقابل ، أقوم بعملي وحسب ، وأحاول أن أقدم كل ما أستطيع. فرحة الناس عندما يجدون فرصة عمل هي أجمل مكافأة لي. وعندما تتحدث حياة عن شركتها وعن جو العمل فيها ، وعن العلاقات التي تربطها بزملائها ، تبتسم وهي تصف دفء العلاقة والانسجام الجميل الذي يسود بينهم ، وتشير إلى أن التعاون والثقة المتبادلة هما ما يجعل العمل ممتعا ومثمرا في آن واحد. فالعلاقة الطيبة كما تقول (تمنحنا طاقة إيجابية ، وتشعرنا أننا عائلة واحدة نسعى لهدفٍ واحد). في شخصيتها تلمس قوة حضور ولباقة في الحديث ، ودفئا إنسانيا يجعلها قريبة من الجميع. هي تعرف كيف تدير وقتها ، وكيف توازن بين الجدية والابتسامة ، بين المسؤولية والرحمة. وهكذا، تكتب (حياة) ابنة المغرب الطموحة فصلا جديدا من قصص النجاح العربي في أوروبا. قصة شابةٍ صنعت مجدها بجهدها ، ولم تنتظر الحظ ليطرق بابها ، بل صنعته بيديها. إنها بحق مشروع حياة... نابض بالأمل، ممتلئ بالعزم ، ومضيء كابتسامتها التي تستقبل بها كل من يبحث عن بداية جديدة. كثيرة هي النماذج المغربية من الشباب والفتيات الذين حققوا نجاحاتٍ في مختلف المجالات ، وما قصة (حياة) إلا واحدة من هذه القصص الرائعة التي تبعث على الفخر والإلهام.