لا ريب أن هذه التركيبة الحكومية الحالية تضم عدداً من الوزراء ذوي الكفاءة المهنية المشهودة والسجل الوظيفي والمالي النظيف، كما أن تمثيل المرأة - كما ذكرت في مقال سابق- قد سجّل تقدماً نسبياً إيجابياً (كماً وكيفاً) مقارنة بحكومات سابقة.
غير أن التحليل الرصين والموضوعي -في تقديري- يقتضي التمييز بين كفاءة الأفراد وقدرتهم وملكاتهم ومواهبهم وخبراتهم من جهة، وبين فعالية وصلاحية البنية والبيئة التي يعملون ضمنها بما تنطوي عليه من مكنات أو كوابح بنيوية أو تضارب مصالح وارد بصورة لا تخفى على ذي لب.
من جهتها تخبرنا أدبيات وقواعد علم الإدارة العامة أن مسألة التجانس الوظيفي ووحدة المرجعية تعتبر من الشروط اللازمة والحاسمة في نجاح الفرق التنفيذية، ولاسيما في الحكومات الانتقالية أو العاملة في ظروف الحروب والصراعات.
وعليه يتجلى مجدداً السؤال: هل تعدد الولاءات السياسية وتداخل المرجعيات التنظيمية قد يقود إلى التضارب وإضعاف القدرة على التنسيق، ويحوّل المؤسسات إلى ساحات تفاوض مستمر أم العكس؟!
حقيقة، المخاوف أو الأسئلة التي أطرحها بين أيدي جميع الأصدقاء القرَّاء ليست افتراضية ولا هي يقينية كما أرى، بل هي محاولة طرح أسئلة واستقراء وفهم؛ وبناءً على هذا فإن خطر تحوّل الوزارات إلى فضاءات احتواء سياسي وتوزيع مغانم، أو إلى وحدات شبه مستقلة في القرار، يظل استفهاماً واحتمالاً قائماً في ظل نموذج حكومي واسع الطيف حزبياً وجهويا، وأوسع من ذي قبل.
وعند هذه النقطة نتساءل: هل ستتمكن الكفاءات العالية - مع قلتها - من إحداث أثر إيجابي مؤسس، أم ستبقى محدودة الأثر والقدرة على إحداث فرق، وهذا طبعا مع ايمان مطلق مني شخصياً بأن بقاءهم في الحكومة سيبقى دوما أفضل من رفضهم الانخراط فيها أو الاستقالة مع أول تحدي.
وفي ختام هذه الحلقة أقول: إن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يُعقد على الأسماء بقدر ما يُعقد على المنهجية القيادية والقدرة على إعادة ضبط النموذج الحاكم للعمل التنفيذي ومدى تجاوب أعضاء الفريق وتساميهم الوطني، ومدى وشكل تدخل قيادات التنظيمات والمكونات المختلفة في سير الأداء والقدرة على الإنجاز والإنقاذ إما دعماً أو رقابةً أو محاربةً أو ضغوطاً أو ابتزازاً أو سلبية.