في لحظات التحول التاريخية الكبرى، يُقاس نجاح القادة -ابتداءً- بقدرتهم على قراءة الواقع كما هو، لا كما يتمنون أو يُمَنَّون. وإن لحظة تولي الدكتور شايع رئاسة الحكومة اليمنية تأتي في واحدة من أعقد اللحظات التي مرت بها الدولة اليمنية، وأكثرها مواجهة للتحديات والأزمات المتراكمة والمتشابكة، والتي بها يصبح الوقت والرجال هما الموردين الأندر والأنفس وليس المال فقط، فما يفوت اليوم بقلة الكفاءة في الإدارة أو عدم كفاية الشجاعة أو النزاهة؛ قد يصبح مستحيلاً في الغد أو باهض الكلفة في أحسن الحالات، وما يعجز عنه المال يمكن إدراكه بهمم الرجال (لا أعني الذكور طبعاً).
حقيقة، في هذا المقال لا أهدف إلى الحديث عن الرجل ولا تحميله ما لا يحتمل فهو رجلُ غني عن التعريف وله سابقات نجاح مشهودة، وبالتالي فهدفي الرئيس هو محاولة تقديم مقترح أو اضاءة استشارية صادقة بهدف أن أضع بين يديه مبكراً بعض الأسئلة الملحّة والآفاق الممكنة، وما أتصور أنه من أولى أولويات العمل، وكذا شروط النجاح الممكنة، وذلك من موقع المودة الشخصية العميقة التي تربطني به والمسؤولية الوطنية معاً.
أولًا: وضوح الصورة والسيطرة على تلابيب البدايات باعتبارها شروط النجاة الأولى: والمقصود بهذا أن ثمة أسئلة تأسيسية تحتاج للتوقف إزاءها ليتضح المشهد في العقل المسؤول عن التشكيل والخطط اللاحقة وأبرزها: ما هو هامش القرار المتاح للدكتور شايع فعلياً؟، وأين تبدأ صلاحيات السلطة التنفيذية وأين تتوقف (في الواقع) ؟، وما هي مراكز النفوذ المُعطلة أو التي دأبت على التعطيل، الرسمية وغير الرسمية؟ وكيف يمكن تجاوزها تحييدها إن لم يكن تجييرها؟ وماهي القوى الداعمة التي يمكن التعويل على دعمها؟
ومهما يكُ من الأمر؛ فإن الإجابة الصادقة عن هذه التساؤلات التأسيسية لا تُطرح لتكون مدخلًا لليأس، بل شرطا للنجاح، فإدراك الواقع مهم بيد أن القبول به والاستسلام له مرفوض.
في معنى أن الحكومة التي لا تتعرف على واقعها وتتحقق من تحدياته ومحدداته وكوابحه وفرصه ومكناته، سرعان ما تتحول إلى كيان مخذولٍ خاضع شاهدٍ على عجز ذاته. وعليه فالواقعية هنا ليست الضعف والاستسلام، بل الحكمة والمرونة والقدرة على المناورة وإيجاد البدائل وإدارة وتحقيق الممكن في ظرف يبدو معقداً حد الاستحالة فيما لو تسلم الملف قائد لا يجيد فنون المجالدة والصراع السياسي والإداري أو قائد نمطي دون مستوى التحدي.
ثانيًا: تشكيل الحكومة: "حين يكون(الطاقم) و(الوزراء) رسالة أمل للشعب" وفي هذا، فإن تشكيل الحكومة-في تقديري- هو البيان الحكومي الأول والخطاب السياسي الكاشف الذي يترقبه الشعب بحذر وشك مبرر، وهو الحدث الافتتاحي الذي بناءً عليه يحدد (الشعب ومنتسبي الجهاز الإداري) موقفهم منها (تعاوناً أو رفضاً أو سلبيةً).
وفي السياق اليمني، فإني أتصور أن أول ما ينبغي هو: أن يكون التشكيل تعبيرًا عن طبيعة الحكومة نفسها ومضمونها وفهمها للقضية الوطنية والتحديات والأولويات والمهام، لا محض استجابة لتوازنات لحظية ومحاصصات شخصية وذواتية أو حزبية أو جهوية عقيمة طالما نكلت بالدولة وتسببت في تدمير مقدراتها ومرتكزاتها وخراب صورتها الذهنية.
نعم لماذا لا يكون لدينا حكومة كفاءات من كل أبناء اليمن، ومن كل محافظاته دون استثناء أو إقصاء، ولكن على أساس الكفاءة والنزاهة (فالإقصاء دولة الرئيس يكون أبشع حين يمرر بذريعة البحث عن كفاءات لأنه يقول لمحافظات بعينها ما معناه: ليس لديكم كفاءات وهذا طبعا أمرٌ مستحيل).
ولماذا لا يكون لدينا حكومة كفاءات من كل ألوان الطيف السياسي دون اقصاء أو استهداف لأي مكون حقيقي وزان، ولكن-أيضا- على قاعدة الكفاءة والنزاهة، وهذه هي المعادلة الصعبة والممكنة والحتمية معاً.
وعليه فما ينتظره الشعب هو حكومة مهام انقاذية لا حكومة واجهات استهلاكية، ووزراء لديهم القدرة على الرؤية والمبادرة والتكيف، ولديهم من الكفاءة والنزاهة ما يمكنهم من معالجة حلقات التأزم كلٌ في مجاله، ولكن-طبعاً- بتناسق وتكامل والعمل بروح الفريق الوطني المتعاضد الذي يدرك أفراده أن: (الوزارات تكاليف يجب أن ينجزوها لا مناصب يشغلونها أو أجور دولارية يتقاضونها وعقارات وثرواتٍ يراكمونها) كجُل من سبقهم.
كما أن من المحاذير التي أنصح دولة الدكتور القدير شايع الزنداني بها: أن يتحاشى تماماً الأسماء المستهلكة التي جُرّبت ففشلت وسقطت من أعين الناس؛ حتى ولو لم يثبت عليها فساد، أو تلك التي تخاذلت ودأبت على التذاكي واختيار المساحات الرمادية، فهؤلاء لا يجرؤون على المجابهة حين تكون المسألة: تدارك وطن.
طبعا لا يُفهم من كلامي أنه يجب تشكيل حكومة مثالية، بل -على أقل تقدير-حكومة مفهومة ومبررة ومقنعة، حكومة يعرف الناس إزاءها: لماذا جيء بهذا الوزير على رأس هذه الوزارة بالتحديد؟ وبماذا يتميز عن غيره كفاءةً ونزاهةً؟، وماذا يُنتظر منه؟، وكيف سيتم تقييمه ومتابعة شغله؟ وكيف ومتى سيُحاسب إن نجح أو أخفق أو أفسد أو خان الوظيفة العامة وحدودها أو خان الوطن واليمين الدستوري؟