في أول قضية من نوعها تفتح الباب لحالات مماثلة
القضاء الفرنسي ينظر في دعوى 69 مزارعا يمنيا ضد "توتال إنرجي" بسبب كارثة بيئية في حضرموت (ترجمة خاصة)
- ترجمة خاصة الاربعاء, 18 فبراير, 2026 - 05:23 مساءً
القضاء الفرنسي ينظر في دعوى 69 مزارعا يمنيا ضد

[ توتال تسببت بعدة كوارث بيئية ]

شهدت محكمة باريس، صباح اليوم، جلسة استماع حاسمة لشركة "توتال إنرجي" (TotalEnergies)، على خلفية دعوى قضائية رفعها 69 مزارعا يمنيا يتهمون فيها العملاق النفطي بالتسبب في تلوث بيئي جسيم في محافظة حضرموت (شرقي اليمن).

 

وتأتي هذه الإجراءات القضائية بناءً على تحقيقات استقصائية كشفت عن تسريبات نفطية من خطوط أنابيب وتراكم مياه إنتاج سامة، مما أدى إلى كارثة صحية وبيئية استمرت لسنوات حتى بعد مغادرة الشركة للبلاد.

 

وأعد هذه التحقيقات الصحفي الفرنسي كوينتين مولر، والذي زار اليمن، وأجرى لقاءات مع مواطنين ومسؤولين، وأحدثت تقاريره ردود فعل واسعة داخل وخارج اليمن.

 

إقرأ أيضا: تحقيق حديث يكشف تورط شركة توتال الفرنسية بعمليات تلوث واسعة في اليمن

 

وتستند الدعوى إلى أدلة توثق تسربات نفطية من خطوط الأنابيب التي تغلغلت في طبقات صخرية مسامية، مما أدى إلى اختلاط النفط بمصادر المياه الجوفية التي لا تزال تتدفق ملوثة حتى اليوم.

 

كشفت التحقيقات عن إدارة "كارثية" لمياه الإنتاج شديدة السمية؛ حيث اكتفت الشركة بحفر عشرات الأحواض المكشوفة وتركها لتجف، مما تسبب في تطاير مركبات "BTEX" الكيميائية (وهي خليط غازي عالي السرطنة) في هواء الوديان المأهولة بالسكان، بالإضافة إلى انهيار بعض تلك الأحواض جراء الأمطار والأشعة فوق البنفسجية، مما سرب السموم إلى التربة.

 

وفي المقابل، ركز محامو شركة "توتال إنرجي" في دفاعهم على محاولة إبطال الإجراءات من خلال التشكيك في وجود المدعين أنفسهم. وانتقد الدفاع جودة ترجمة الهويات الشخصية وفواتير المياه التي طلبتها القاضية، مدعين وجود "تضارب مصالح" لأن الفواتير صادرة عن جهة تحمل لقب "الجابري"، وهو نفس لقب المدعين.

 

انفوجرافيك توضيحي للدعوى في فرنسا والردود عليها

 

وردّاً على ذلك، أوضح مراقبون أن لقب "الجابري" يعود إلى قبيلة كبرى تضم عشرات الآلاف في حضرموت، وليست مجرد أسرة صغيرة كما حاول الدفاع الإيحاء به لتضليل القضاء.

 

إقرأ أيضا: مياه توتال السوداء.. الموقع بوست ينشر نص تحقيق "L’Obs" حول تداعيات التلوث

 

وحاول محامو الشركة التنصل من المسؤولية بادعاء أن فرع الشركة في اليمن (TEPY) هو كيان مستقل، رغم كونه مملوكاً بنسبة 100% للمجموعة الأم ومسؤولاً بالكامل عن العمليات.

 

ويسعى "فيودور ريلوف"، محامي المزارعين اليمنيين، من خلال هذه المرحلة إلى إجبار "توتال" على الكشف عن وثائقها الداخلية المتعلقة بالعمليات في اليمن.

 

إقرأ أيضا: حوار مع الصحفي الفرنسي كونتين مولر مُعد تحقيق المياه السوداء لتوتال في اليمن

 

وتهدف الدعوى في مرحلتها التالية إلى مقاضاة الشركة بموجب قانون "واجب اليقظة" الفرنسي الصادر عام 2017، والذي يلزم الشركات متعددة الجنسيات بتحديد ومنع المخاطر الاجتماعية والبيئية الناتجة عن أنشطتها، حتى في الفروع الدولية التابعة لها.

 

وصدر قانون واجب اليقظة (Loi de Vigilance)  في فرنسا عام 2017، وهو الأول من نوعه في العالم، ويُلزم الشركات الكبرى التي يقع مقرها في فرنسا (والتي توظف أكثر من 5000 موظف في فرنسا أو 10,000 حول العالم) بوضع "خطة يقظة" سنوية.

 

ويهدف لمنع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والحريات الأساسية، وصحة وسلامة الأشخاص، والبيئة، الناتجة عن أنشطة الشركة الأم والشركات التابعة لها (مثل TEPY في اليمن والموردين.

 

وقبل هذا القانون، كان من الصعب جداً مقاضاة "توتال إنرجي" الأم في باريس بسبب أخطاء ارتكبتها فروعها في دول أخرى، حيث كانت الشركات تتذرع بـ "الاستقلال القانوني للفروع".

 

ويكسر القانون الحالي هذه الذريعة، ويحمل الشركة الأم المسؤولية إذا فشلت في مراقبة نشاطها في اليمن ومنع الكارثة البيئية.

 

ويتيح للقضاء الفرنسي الحكم بتعويضات مالية ضخمة للمتضررين إذا ثبت أن الضرر ناتج عن تقصير في خطة اليقظة.

 

ووقعت معظم التلوثات قبل عام 2017، لكن الحجة القانونية التي يسوقها المحامون هي أن "الضرر مستمر"، فالمياه لا تزال ملوثة، والأحواض السامة لا تزال موجودة، وهذا يقع تحت طائلة واجب الشركة في المعالجة المستمرة.

 

ويحاول محامو توتال استغلال ظروف الحرب في اليمن للتشكيك في الوثائق (الهويات وفواتير المياه) كما ورد في الجلسة الأخيرة، لعرقلة وصول القضية إلى مرحلة "النظر في الجوهر".

 

وفي حال نجحت هذه القضية، ستكون المرة الأولى التي تُجبر فيها شركة نفطية كبرى على تعويض ضحايا يمنيين عن أضرار بيئية وصحية، و قد يشجع ذلك متضررين آخرين في مناطق امتياز نفطية أخرى باليمن (مثل شبوة أو مأرب) لمقاضاة شركات دولية أمام محاكم دولها الأصلية.

 

وتعد القضية اليوم في باريس لا تتعلق فقط بـ 69 مزارعاً، بل هي اختبار لقدرة القانون الفرنسي على ملاحقة "توتال" في أبعد نقطة من نشاطها.

 

وفي حال قررت القاضية المضي قدماً، فإننا أمام "زلزال قضائي" قد ينتهي بإلزام توتال بعملية تنظيف شاملة لتربة ومياه حضرموت، وتعويض الضحايا عن الأمراض المسرطنة التي أصابتهم.


التعليقات