[ عينة من وثائق إيبستين ]
كشفت وثائق جيفري إبستين المسربة مؤخراعن شبكة غير متوقعة من المراسلات والاهتمامات المتعلقة باليمن، تتجاوز مجرد الفضول لتشمل قضايا سياسية وعسكرية واقتصادية حساسة.
وتظهر بعض هذه الوثائق التي رصدها الموقع بوست وتمتد من عام 2012 وحتى 2018، كيف كان إبستين وشبكته يتابعون عن كثب التطورات في اليمن، ويتلقون معلومات استخباراتية، بل ويشاركون في مناقشات حول أدوار محتملة في الصراع الدائر، مما يثير تساؤلات حول طبيعة نفوذه وعلاقاته الخفية في المنطقة
يبرز اسم رجل الأعمال اليمني شاهر عبد الحق كشخصية محورية في هذه المراسلات، حيث كان بمثابة قناة رئيسية لإبستين للحصول على معلومات وتحليلات حول الوضع في اليمن.
ففي مارس 2015، ومع بداية عملية "عاصفة الحزم"، أرسل شاهر رسالة إلى إبستين يصف فيها الهجوم على اليمن بأنه "تدمير" من قبل الدولة التي وصفها بأنها الرائدة في إنتاج النفط، في إشارة للسعودية، مشيراً إلى أن اليمن "بلد أصل العرب العدنانيين والحضارة التي تمتد لـ 3000 عام"، ولا يملك حتى مضادات طائرات.

من وثائق إبيستين
ورد إبستين على الرسالة بوصف الأمر بـ "الفظيع"، مستفسراً عن "الخيارات المتاحة للمضي قدماً" وما يتوقع أن يحدث، مما يؤكد اعتماده على شاهر كمصدر مباشر للمعلومات
ولم تقتصر مراسلات شاهر على نقل الأخبار، بل امتدت إلى محاولات للتأثير على الرواية السائدة، ففي مايو 2017، حاول شاهر توضيح موقف صنعاء لإبستين، مؤكداً أن "صنعاء ليس لها علاقة ولن تسمح بالنفوذ الإيراني في اليمن"، وأن مشكلة القاعدة هي مشكلة قديمة ومصدرة من دول الجوار، وهذه الرسائل تشير إلى محاولة واضحة لتشكيل رؤية إبستين (وبالتالي دوائره في واشنطن) تجاه الصراع في اليمن، وتصويره كصراع محلي بتدخلات خارجية.
وتضمنت المراسلات اقتراحات من شاهر بأن يكون "صانع سلام" في اليمن لإنهاء الأعمال العدائية بين اليمن والتحالف العربي، مما يظهر طموحه للعب دور سياسي دولي.

وثائق إبيستين وحديث شاهر عبدالحق عن السعودية
وتتجاوز وثائق إبيستين العلاقات الشخصية لتكشف عن اهتمامه بتقارير استخباراتية حساسة، ففي أبريل 2015، كشفت رسالة من تيري رود لارسن إلى إبستين عن تفاصيل "صفقة سرية" بين السعودية وباكستان في بداية عملية "عاصفة الحزم".
الرسالة، المحولة من "نصرة حسن" (لم يتضح من الشخص) أشارت إلى رفض الجيش الباكستاني إرسال قوات برية أو طائرات حربية للسيطرة على أراضٍ وموانئ يمنية، لكن تم الاتفاق على إرسال قوات خاصة باكستانية كوماندوز ومدربين ودبابات للعمل داخل الأراضي السعودية على الحدود مع اليمن، مقابل دعم مالي ونفطي.
وذكرت الرسالة دور باكستاني كوسيط مع الصين لتواجد سفن صينية في خليج عمان تحت غطاء "مكافحة القرصنة" .
وفي سبتمبر 2018، شارك تيري رود لارسن مقالاً إخبارياً مع إبستين يزعم وجود مرتزقة أجانب تلقوا تدريبات في إسرائيل يشاركون في العمليات العسكرية بمدينة الحديدة اليمنية، مما يعكس اهتمام إبستين ودائرته بالتقارير الاستخباراتية والإعلامية الحساسة حول الصراع
وتضمنت المراسلات متابعة لمحاولة اغتيال المبعوث الأممي السابق لليمن، جمال بنعمر، في صنعاء عام 2013، مما يشير إلى متابعة دقيقة للشأن اليمني منذ وقت مبكر من الأزمة
ولم يقتصر اهتمام إبستين باليمن على الجوانب السياسية والعسكرية، بل امتد إلى تفاصيل شخصية واقتصادية وإنسانية، ففي الجانب الشخصي والترفيهي أظهرت رسالة في أبريل 2013من إبستين رغبته في تجربة "بيض السمان وعسل اليمن" على متن قارب، مما يشير إلى طلبه سلعاً يمنية فاخرة لاستخدامه الخاص.
وفي أكتوبر 2012، وفي لفتة تعكس مدى الحميمية في العلاقة، دعا شاهر عبد الحق إبستين لزيارة اليمن هرباً من إعصار يقترب من جزيرته، قائلاً: "يمكنك المجيء إلى اليمن، ليس لدينا أعاصير هنا يا سيدي".
وكشفت وثيقة أخرى عن اهتمام إبستين بالآثار اليمنية، حيث طلب من شاهر إحضار "تذكار قديم من الجلد أو شيء مشابه" عند زيارته، مما يفتح تساؤلات حول مدى انخراطه في جمع التحف التاريخية.

من وثاثق جيفري إبيستين
وتعود إحدى الوثائق إلى نوفمبر 2013، حيث أكدت مصادر أمنية نجاة المبعوث الأممي السابق جمال بنعمر من محاولة اغتيال محققة أثناء مرور موكبه في شارع الشرطة بالعاصمة صنعاء، وتبرز هذه الوثيقة أن بذور الانهيار الأمني كانت قد زُرعت مبكراً، وأن استهداف الرموز الأممية كان جزءاً من استراتيجية الفوضى التي سبقت الانقلاب الكامل على السلطة في 2014.
في الجانب الاقتصادي تكشف وثيقة في يوليو 2012 طلب إبستين من شخص يدعى "سيرج فارسانو" السؤال عن "رجل يدعى شاهر من اليمن، يعمل أيضاً في تجارة السكر"، مما يؤكد أن علاقته بشاهر عبد الحق بدأت كعلاقة تجارية في قطاع السكر قبل أن تتطور إلى تبادل معلومات سياسية، وتلقى إبستين رسالة غامضة من سلطان بن سليم (رئيس موانئ دبي العالمية) في يونيو 2015 تحذر: "لا تشرب البيبسي أبداً في اليمن"، زقد تكون إشارة لظروف أمنية أو تجارية.
وفي يونيو 2017، تبادل إبستين وشاهر عبد الحق روابط لتقارير CNN حول أزمة سوء التغذية والكوليرا في اليمن، مما يشير إلى استخدام الملف الإنساني في المراسلات، وفي نفس الشهر، شارك إبستين رابطاً لمقال من "واشنطن بوست" حول أمر تنفيذي للرئيس أوباما يعطي الخزانة سلطة تجميد الأصول اليمنية في أمريكا، مما يعكس متابعته الدقيقة للقرارات المالية الأمريكية المتعلقة باليمن.

عينة من الوثائق
وفي نوفمبر 2017، وفي ذروة الأزمة الخليجية وحرب اليمن، أرسل إبستين رسالة يقول فيها: "نحن متفقون، يمكننا المساعدة في اليمن وقطر"، مما يشير إلى أنه كان يعرض خدمات "وساطة" أو "تأثير" في هذه الملفات الحساسة.
تُظهر الوثائق أن جيفري إبستين لم يكن مجرد شخصية منعزلة، بل كان على دراية عميقة بالصراعات الجيوسياسية، وخاصة في اليمن.
وترسم علاقاته مع شخصيات مثل شاهر عبد الحق وسلطان بن سليم، واهتمامه بالتقارير الاستخباراتية والصفقات السرية، بالإضافة إلى الجوانب الشخصية والاقتصادية صورة لشبكة معقدة من النفوذ والمعلومات كانت تدور في فلكه، مما يضيف طبقة جديدة من الغموض إلى قصة إبستين وتأثيره المحتمل على الأحداث العالمية.
الجدير بالذكر أن وثائق عديدة كشفت نقاشات كثيرة بين شاهر عبدالحق وجيفري إبيستين ولاتزال تتضح يوما بعد آخر.