[ اليمني الأمريكي أمير غالب ]
بعد أن انتهت فترة خدمتي كعمدة لهذه المدينة، ومع بداية فصل جديد من الرحلة ينطلق مطلع الأسبوع القادم و سيعلن عنه قريبا، سأعترف اليوم أن الأربع السنوات الماضية كانت مليئة بالتوترات والضغوطات النفسية، ولا يشابهها من سنوات عمري في الهم والتعب إلا سنوات دراستي في كلية الطب، وانتهاء فترة الخدمة يعني زوال جبلٍ من الهموم.
أربع سنوات من العمر انقضت واشتعل الرأس من أهوالها شيبا. تأجلت خلالها كل المشاريع الشخصية والعائلية من أجل تحقيق النجاح. لا أعتقد أن يحدث مثل هذا إلا مع من يدرك حجم المسؤولية ويستشعر أنه لا يمثل نفسه فقط وإنما يمثل مجتمع، وفشله يعني فشل المجتمع بأكمله.
كأول عمدةٍ مسلم لهذه المدينة كما ردد الإعلام كثيرا، تعرضت خلال السنوات الماضية لمحاكمة هوية لم يسبق لها مثيل. كل قرار نتخذه أو سياسة نرسمها، تُستحضر خلفيتي الدينية والعرقية في مشهد لا يمثل القيم الأمريكية الأصيلة أبدا.
أُتهمت مرارا بالكراهية ومن اتهمني هم من يكرهونني، واُتهمت بالتمييز وهم من يميزون ضدي، واُتهمت بمعاداة شرائح معينة بينما هم من يعادونني.
بروجكشن هي ميكانيزم الدفاع التي تشرح ما سبق، عندما تتهم الآخرين بما تشعر به.
تعرضت للتهديد بالقتل، وتدخل البوليس و ال إف بي آي، وقاموا بعمل رائع، وتم إلقاء القبض على المجرم، واتضح انه صاحب سوابق وكان قد ارتكب جريمة قتل قبل ذلك الوقت بأسبوع واحد فقط، أي أنه كان مجد في تهديده.
أول تجربة كنت فيها ضحية للتمييز والكراهية كانت في آخر سنة من كلية الطب في قسم الجراحة. تركت التدريب في قسم الجراحة إلى آخر سنة لسببين: الأول أنني لا احب الجراحة والثاني لعدم توفر دورة الجراحة بالوقت المناسب وفي المكان المناسب لي, وهو أحد مسشفيات دي إم سي القريبة من مدينة هامترامك حيث أسكن وحيث أجريت معظم تدريباتي، وذلك لعدم الرغبة في السفر والإنتقال بعيداً توفيرا لتكاليف السكن وغيرها.
أستطيع القول أنني أُتهمت بالكراهية في حياتي ثلاث مرات، وعوقبت لحسن سلوكي وتمسكي بقيمي وهويتي مثلها أيضا.
الإتهام والعقاب الأول حدث وأنا في آخر سنة من كلية الطب، والاتهام والعقاب الثاني والثالث حدثا أثناء خدمتي كعمدة.
في الحالة الأولى، كانت الطبيبة المشرفة على تدريبنا الجراحة العامة بذيئة بشكل لا يطاق. كانت تستخدم كلمة الإف وورد، وهي مسبة معروفة بالانجليزية، تقريبا مع كل جملة. ما إن نخرج من غرفة المريض حتى تبدأ بسبه والحديث عنه كأنه هو المرض بنفسه وليس إنسانا يحتاج إلى مساعدة.
كان الطلاب من زملائي يضحكون لها ويجاملونها وحتى يسبون مثلها. عندما لاحظَت أنني أنا الوحيد الذي لا أسب مثلها ولا اضحك عندما تسب، قالت لي: يبدو أنك طالب مهذب لكني أشعر بأنك تكرهني. (هذه هي التهمة الأولى)!
أبتسمْت وقلت: لا، أنا لا أكرهك، لكنني لا استطيع استخدام هذه الألفاظ السيئة ولم يسبق لي ان استخدمتها في حياتي. قالت: واضح من ملامح وجهك أنك تكرهني، وانا جذور عائلتي شرق أوسطية ولو انني لست عربية لكنني أعرف ثقافتكم جيدا وأعرف انكم لا تحبون المرأة القوية والجريئة مثلي. كررت الدفاع عن نفسي وقلت لها: هذا غير صحيح، أنا معجب بك كطبيبة جرّاحة مبدعة، لكنك الآن تحكمين على نواياي، أنا لا أكرهك ولكن هذه هي شخصيتي، ربما تختلف عن شخصيتك لكن هذا لا يعني انني أكرهك.
كانت مرافعتي فاشلة، لأن الخصم هناك كان هو القاضي وهو الحكَم، والمتهم هو السلوك الحسن.
سيتكرر نفس المشهد في قاعة جلسة الإستماع في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بعد سنواتٍ طويلة من ذلك الحدث. التُهم جاهزة والقرار تم اتخاذه مسبقا ولا يهم ما سأقوله لأن التضليل كان سيد الموقف والخصم هو الحكَم.
بعد نهاية شهرين من التدريب في قسم الجراحة العامة، منحتني الدكتورة المدربة درجة مقبول C. وقبلها كانت درجاتي في كل الأقسام تقريبا، إمتياز A، بما فيها قسم القلب والعناية المركزة والكلى والباطنة والنفسية والجهاز الهضمي وغيرها كما هو موضح في الصورة الأولى من الصور المرفقة من سجلي الأكاديمي، إلا فيما ندر. (وهذا هو العقاب الغير أخلاقي الأول)!
وبعدها قررت أن ألتحق بأي قسم متوفر حتى أنهي ما تبقى من التدريبات الإختيارية في آخر سنة وأعود إلى اليمن لزيارة الأسرة.
أخترت قسم جراحة الحوادث، Trauma surgery ليس لأنني مهتم بالجراحة ولكن لأنها توفرت بالوقت المناسب دون انتظار.
وهناك قصة أخرى طويلة، جعلت طبيبة جراحة مدربة أخرى تعطيني معدل مقبول مرة أخرى. سأتحدث عنها الآن باختصار شديد.
في اليوم الثاني من بداية التدريب في هذا القسم الجديد، دعت الطبيبة المدربة إلى اجتماع لكل اعضاء الفريق. كنت في وقت الفراغ أذهب إلى المكتبة الخاصة بالمستشفى للمذاكرة. كنت حينها قد تجاوزت وانا لازلت طالبا، امتحانين من امتحانات رخصة البورد الأمريكي في الطب ( للمصداقية ،وضعت نتائجهما في الصور المرفقة) USMLE , وكنت أحضّر للإمتحان الثالث. أدّعت إحدى الإداريات في القسم انها ارسلت رسالة إلى كل اجهزة البيجر التي كنا نحملها ويتم عن طريقها التواصل بين اعضاء الفريق الطبي. أنا لم تصلني رسالة! إما أنها نسيت إضافة رقمي أو تعمدت فعل ذلك.
ذاكرت عدة ساعات في المكتبة وعند انتهاء الدوام غادرت المشفى وعدت إلى البيت ولم أحضر ذلك الإجتماع.
اليوم الثاني وصلتُ صباحا إلى القاعة الصغيرة التي نجتمع فيها قبل بداية الدوام في المستشفى، ألقيت التحية على الجميع، ولم ترد الطبيبة المشرفة. بدلا عن ذلك سألتني: لماذا لم تحضر الاجتماع أمس؟ قلت: لم يصلني خبر عن هذا الاجتماع، كنت في المكتبة فيما تبقى من الدوام، واعتذرت لها عما حدث . قالت بنبرة شديدة وقاسية: نحن في ثالث يوم من هذه الدورة، لا أريد ان اسمع تبريرا ولا اعتذار، غلطة واحدة منك فقط طوال الأيام المتبقية من الشهر التدريبي، ستضطر لإعادة هذه الدورة كاملة. اعتذرت مرة أخرى وجلست. حاولت أن اطلع الجميع على آخر رسائل وصلتني إلى البيجر وليس من بينها رسالة تدعوني إلى الإجتماع، لكنها لم تقبل تبريري ولم تصدقني.
ذهبت بعد الإجتماع إلى القسم الخاص بتوزيع الأجهزة وطلبت تغيير جهاز البيجر، ظنا مني ان المشكلة في الجهاز وانهم ربما فعلاً قد ارسلوا رسالة لكنها لم تصلني عن ذلك الإجتماع، لكنهم فحصوا الجهاز وجربوه عدة مرات ولم يكن فيه أي مشكلة، ورغم ذلك طلبت جهازا جديد.
ظلت الطبيبة الشابة التي كانت تشغل رئيسة قسم طب جراحة الحوادث، ظلت تبحث عن تلك الغلطة طوال 28 يوما، وتخيل وانت تعمل تحت ضغط نفسي شديد لتحاشي وقوع أي خطأ، وتستخدم كل مهاراتك وإمكاناتك لمنع حدوث الكارثة، خصوصا أنه لم يسبق أن أعدت فصلا دراسيا طوال عمري. كنت أول الحاضرين كل يوم وآخر المغادرين، وأكثر المهتمين بجمع المعلومات عن المرضى وتقديم العرض اليومي عن الحالات لدرجة أنني كنت أحفظ نتائج الفحوصات وكل معلومات المريض وأقدم الحالات دون النظر إلى الورقة، بينما كان الأطباء المناوبون يسجلون معلوماتهم على ورق حتى يتذكرونها. حاولت أن اثبت لها أنني لست طالبا مهمل وما حصل في بداية الدورة لم يكن مقصودا.
أخبرني أحد الأطباء الذين كانوا ضمن الفريق حينها، وهو يلاحظ كمية الكراهية التي تلوح من عيني تلك الطبيبة وقال: "لم أعمل من قبل مع طالب بنفس اهتمامك وجديتك، ولكن هناك شيء غريب مع هذه الطبيبة"! هل لصداقتها مع الطبيبة الجراحة الأولى الشهيرة بالسب والبذاءة علاقة بالأمر؟ ربما!
كنت على بعد اربعة شهور من إنهاء آخر سنة في الطب كما يظهر في الصورة الأولى التي أرفقتها لسجلي الأكاديمي، مما يعني أنني كنت أقرب إلى الطبيب منه إلى الطالب، خصوصا بعد أن كنت قد تجاوزت اثنين من امتحانات رخصة البورد الأمريكي في ذلك الوقت وكنت أحضّر للثالث.
قبل نهاية الشهر بيوم، طلبت مني عرض حالة مرضية كنت اشتغل عليها وقالت: هل انت جاهز؟ قلت: نعم ولكني منتظر أن يتوفر أحد أجهزة الكمبيوتر للإطلاع على كشافة الإكس ري ومعرفة أين استقرت الرصاصة في ذلك المريض. كل الأجهزة كانت مشغولة في العيادة الخارجية التابعة للمشفى والتي كان فيها الدوام في ذلك اليوم .
ردت بكمية مرعبة من الانتقاد وكأنها وجدت ضالتها وقالت: ألم اقل لك في البداية أن خطأ واحداً سيكلفك إعادة الشهر كاملا في هذا القسم. قلت لها، بنفس الهدوء الذي ظهرت به في جلسة الإستماع في الكونجرس: دكتورة، هذا ليس خطأ، أنا فعلا لم أجد كمبيوتر للإطلاع على الكشافة ولكني جاهز لتقديم الحالة. قام الطبيب الذي كان في آخر سنة تدريب ولأول مرة يدافع عني علنا وقال: فعلا، كنا نشتغل على هذه الكمبيوترات ولم يتوفر جهاز له ليستخدمه، وهذا ليس خطأ. دعيني أخبرك ان هذا هو أفضل طالب ينضم إلى فريقنا منذ زمن طويل، لا اعتقد انك منصفة بحقه، ولا ادري ما السبب في التعامل معه بهذه الطريقة!
هدأَت قليلا، وأنا قدمت الحالة بكل تفاصيلها، وكالعادة، دون النظر إلى الأوراق. وبعد ان غادرت اتفق كل اعضاء الفريق ان تلك الطبيبة تعاملت معي من بداية الشهر بعنصرية وليس بمهنية وعدل.
في اليوم الأخير للدورة التدريبية، ونحن نمر على المرضى، نصل إلى حالة تعاني من متلازمة زيادة هرمون إيه دي إتش بسبب إصابة في الرأس، Syndrome of Inappropriate ADH, وهو هرمون تفرزه الغدة النخامية في الدماغ، ينظّم تصريف وحفظ المياه في الكلى، زيادته تسبب حبس المياه في الجسم بشكل غير طبيعي، ونقصه أو عدم فاعليته يسبب زيادة في التبول، أو ما يعرف بالسكر الكاذب،Diabetes Insipedus وهي تعطي توجيهاتها للأطباء المتدربين عن نوعية ومعدل السوائل التي تعطى للمريض لإصلاح الاختلال الحاصل في أملاح الدم وخصوصا نقص الصوديوم الحاد، ارتكبَت خطأ قاتل، ووجدتُ أنا حينها فرصة لإحراجها والإنتقام لكبريائي، وانا القادم من مجال الباطنة بعد شهور طويلة من التدريب في أقسام وفروع الباطنة، كنت ملم بتلك التفاصيل. كان الخطأ فضيع وقاتل، حول معدل تقطير السوائل حيث ان التعديل السريع لنقص الصوديوم الحاد يسبب مضاعفات خطيرة على الدماغ، وهي معلومة بديهية يعرفها كل الأطباء، لكنها رغم ذكائها المتوقع أخفقت في اختيار المعدل الصحيح والآمن، وعندما صححت معلومتها، لم تقتنع، وطلبت من كبير الأطباء المتدربين ان يبحث في أحد المراجع الالكترونية، ووجد فعلا ان توجيهاتها كانت خاطئة وان تعديلي كان صحيحا. لم تقل شيء غير كلمة أوكي، إذن افعلوا ذلك.
بعد ان غادرَت المكان، كان الفريق كله يضحك ويقولون لي : لقد أحرجتها، ربما ترسب في هذه الدورة لهذا السبب. قلت لهم تصوروا من الذي ارتكب الخطأ القاتل خلال هذا الشهر أنا أم هي؟
وكانت النتيجة ان حصلت على معدل مقبول للمرة الثانية خلال سنوات التدريب الكلينكلي. غابت المهنية والعدالة وحضرت العنصرية والكراهية مع سبق الإصرار والترصد. وكان هذا عقابا آخر حدث لي بدون سبب مقنع، وغابت فيه المهنية والعدالة والإنصاف، وكان الخصم هو القاضي مرة أخرى، والمتهم هو الكفاءة والإنضباط والهوية!
تجربة سيئة خُلدت في ذاكرتي ولن يمحيها الزمن.
حدث كل ذلك فقط مع طبيبتين جرّاحتين، وبقية التجارب كانت رائعة، هذا لا يعني أن النساء تكرهني، وأنا لا أكره النساء، ولكن كراهيتي للجراحة زادت بسبب النساء، ولا يجتمع حب النساء والشعر والجراحة في قلب عاقل، أو في قلب عاشق.
ظلّلت الحالتين بالأصفر في سجل الدرجات لآخر عامين دراسيين في الطب، بالصورة الأولى المرفقة، وهما القسمان الوحيدان الذين حصلت فيهما على مقبول C طوال فترة الطب الكلينيكلي.
بعدها قلت لصديقي، سوف ألتحق بقسم الجراحة مرة ثالثة لاستكمال بعض التدريبات الإختيارية، لكن هذه المرة تحت اشراف طبيب جراح محترم، لكي أثبت أن المشكلة ليست فيّ ولكنها في الطبيبتين المدربتين. ضحك صديقي وقال: يبدو أنك مشتاق لمعدل مقبول مرة ثالثة!
كان الطبيب المدرب من إخواننا الأفارقة الأمريكيين، وكان قمة في الإنضباط والمهنية. حصلت في نهاية الدورة على معدل امتياز وقلت لصديقي حينها: لاحظ، حتى وانا لا احب الجراحة، لكن عندما يكون المعلم والمدرب محترم ومهني ولا يحكم على نواياك او خلفيتك العرقية أو الدينية بل على عملك ونتيجة واجباتك وامتحاناتك، تجد العدل والإنصاف وتبدع في أدائك وفي مهنتك، هنا حصلتُ كالعادة على درجة إمتياز.
هكذا يحدث عندما لا تُحاكم الهوية ولا الإنتماء، بل الكفاءة والأداء، وظلّلت هذه الحالة باللون الأحمر في سجل الدرجات بالصورة الأولى المرفقة أدناه.
كل هذا حدث في نفس المستشفى، هنا في ديترويت. تبقى لي بعد تلك الدورة قسمان فقط، الأطفال وطب العائلة، مع انه يفترض أنني كنت قد أكملتهم في السنة قبل الاخيرة، لكن لم تكن هذه الدورات متوفرة في مستشفى قريب من سكني، فتركتهم إلى نهاية السنة الأخيرة. ذهبت اختصاراً للوقت لإكمال الأولى في أوهايو والثانية في نيويورك، مستشفى برونكس لبنان هسبتل في ذلك الوقت. بعدها أنتهيت من إكمال 150 كريدت وهي المطلوبة لإنهاء متطلبات المنهج الدراسي في كلية الطب، وبعدها سافرت في زيارة إلى اليمن.
والتوقفات المؤقتة التي حدثت لي اثناء دراسة الطب كانت إما بسبب السفر المتكرر لليمن لزيارة الأسرة، أو للتحضير لامتحانات البورد الأمريكي التي لا ينجح بها إلا النخبة من الأطباء من كل أنحاء العالم.
قبل الالتحاق بكلية الطب التي كلفتني دراستها مبلغ 320 الف دولار، لعدد 150 كريدت( الفصل الواحد يستغرق ما بين ثلاث إلى خمس كريدات في الغالب)، كنت قد حصلت قبلها على بكالوريوس تمهيدي الطب في العلوم البيولوجية، نتيجة امتياز مع مرتبة الشرف، مدة اربع سنوات، 122 كريدت، بتكلفة مائة الف دولار.
وبعد ذلك بكالوريوس أخرى في العلوم الصحية،70 كريدت في اقل من سنتين، لاحتساب بعض المواد من البكالوريوس الأولى، إمتياز مع مرتبة الشرف، وكلفني ذلك البرنامج 80 الف دولار، وبعدها ماجستير في العلوم الصحية، سنتين, 58 كريدت، إمتياز مع مرتبة الشرف، وكلفني البرنامج تقريبا 60 الف دولار.
امتحانات البورد الأمريكي في الطب الثلاثة، كلفني التوقف والتحضير لها ما يقارب ثلاثين الف دولار، والمجموع الكلي لتكاليف التحصيل العلمي لي طوال 12 عام بلغ حوالي 600 الف دولار، لما يقارب 400 كريدت، بما يعادل 120 فصل دراسي، بدون حساب تكاليف المعيشة في معظم المراحل، هذه فقط رسوم الجامعات.
قبل ذلك عملت في مصانع قطع غيار السيارات حتى عرفت طريق المدرسة وعدت لاستكمال آخر سنة من الثانوية بنفس الوقت الذي كنت أعمل فيه بالورشة. أنهيت العام الأخير من الثانوية وكأن معجزة حدثت، لأنني كنت اعتقد ان قدري سيكون العمل في المصانع والورش وإلى الأبد. ومابين بداية ونهاية ذلك العام قصة طويلة من الكفاح والشقاء والتعب، جعلت والدي يقول لي من اليمن بعد التخرج: هذه خطوة جبارة، الآن افعل ماتشاء، أدرس او اشتغل، لا يهمنا، مع انني كنت العائل الوحيد لهم جميعا.
كانت الأخبار تقول أنه مع دخول عام ألفين ستنهار التكنولوجيا ومعها الحضارة التي عرفناها بسبب أن الكمبيوتر لم يكن مبرمجا لاستيعاب الأصفار عند الانتقال من عام 99 إلى ألفين، فيما عرف حينها بمشكلة Y2K، وقد يترجمها الكمبيوتر على اننا في العام 1900 بدل 2000 لانه يعتمد على استخدام آخر صفرين فقط من العام.
كنت قلقا جدا وكنت أدعي الله ألا تنهار التكنولوجيا والحضارة قبل أن أنهي العام الدراسي الأخير من الثانوية. دخل العام الجديد ولم يحدث شيء، وأنهيت العام الدراسي وقلت بعدها: فليذهب العالم الآن إلى العصر الحجري، لا يهمني طالما وقد انهيت الثانوية. يا عمِ، كان أقصى حلمي أن أنهي الثانوية وأن أستطيع بعدها العمل حتى في محطة بنزين بدل العذاب في ورشة قطع غيار السيارات، وأنت تعايرني اليوم أنني ربما لن أكون سفيرا أو وزيرا أو مستشارا في الولايات المتحدة العظمى!!
هذا السجل الأكاديمي المتواضع والمشرّف، والذي لم يخلو من بعض الإخفاقات، لكن ليس من بينها إعادة فصل دراسي واحد طوال 12 عام دراسي في خمس جامعات أمريكية بين مراحل البكالوريوس والماجستير والدكتوراه.
كل ذلك حدث دون دعم أسري أو اجتماعي، بل انني في معظم مراحل دراستي كنت أعمل بالإضافة إلى دراستي من أجل إعالة أسرتي. أقتسمنا الرغيف والهم والألم مع من نعول طوال فترة الدراسة، لأننا لسنا من أبناء الذوات وناهبي الثروات الذين لا يتحملون أية مسؤوليات.
وكل هذه الرحلة المتعرجة والملتوية من العلوم البيولوجية الى العلوم الصحية إلى الطب إلى السياسة، حدثت لأنني بدأت الدراسة الجامعية في عام 2001 وكنت أريد دراسة العلوم السياسية لكن أحداث 11 سبتمبر جعلتني أغيّر المسار والتخصص بحجة أن لا مستقبل لي في السياسة في هذا البلد بسبب خلفيتي وهويتي.
هذه الإنجازات قد تبدو متواضعة لمن هم أكثر مني علما ومعرفةً وقدراتٍ وانجازات وإمكانات، ولكن تبقى بالنسبة لنا نحن البسطاء أبناء الطبقة الوسطى، إنجازات عظيمة وقصص كفاح نستلهم منها العظات والعبر، وترسم مساراتنا نحو المستقبل.
نحن أبناء البسطاء والفلاحين، سقف أحلامنا مرتفع لكن سقف أفراحنا متواضعٌ وبسيط، ونصنع الفرحة من أبسط الأشياء وأحياناً من العدم. نشأنا في روابي القرى وسفوح الجبل، ندوّن أوجاعنا على هيئة قصائد، وننتزع من الصخر قوْتَنا والموائد، يقلقنا برد الصباح ويحزننا جفاف الأرض ويفرحنا دفء الشمس في وقت الضحى، ونحتفل بهطول زخات المطر. وحتى عندما نحتفل بإنجازاتنا، نحتفل بهدوء حتى لا نُزعج أعدائنا الذين لا نعرف أساساً لماذا يعادوننا ويكرهوننا!
لم تكن تعنينا تقلبات أسواق البورصة على وول ستريت، ولا تهمنا حرب النجوم، أو تخطيط وفك شفرة الجينوم البشري.
نسمع عن العباقرة ولا نحب الحديث معهم لأننا لسنا بمستواهم، لكننا أيضا لا نحب النقاش مع السذج ولا نقبل تضييع الوقت في الجدل مع السفهاء.
كان أجدادي الثلاثة وقت القيلولة يمضغون القات ويتبادلون النكات ساعة النشوة واليوفوريا، وعندما تطل عليهم الساعة السليمانية يبدأون بسرد القصص والحكايات. يحدثوننا عن الماضي، عن الشعر والزوامل، عن الرومنسية والبطولات، الواقع والأساطير والخيالات. وكنا نستمع حتى نمل، ثم نقول: يكفي، أتركونا من هذه الخزعبلات، فيرد جدي قائلاً، ولكن بلهجته البسيطة: ستندم يوما ما لإنك لم تهتم بهذه الخزعبلات، وفعلاً، أدركنا مؤخرا انها كانت تراثاً وتاريخاً أضعناه من بين أيدينا ولم نحفظ منه إلا القليل.
كان جدي عندما يسمع عن تفوقي في مراحل الدراسة الإعدادية والثانوية في المدرسة المجاورة لقريتنا، يقول لي: إلى هنا يكفي، مادام وقد أصبحت قادرا على قراءة المصحف، هذا هو المهم، الآن اهتموا بالعمل في حقول الزراعة وانتبهوا على الأرض والممتلكات. وكنت أسخر من ذلك الرأي وأعبّر له عن طموحي في العلم وتطلعاتي في المستقبل، ولست نادماً على ذلك الاختلاف بيني وبين جدي، لكن ربما ستعرّفني قادم الأيام بقيمة الأرض وأهميتها.
مرت الأيام والشهور والسنوات، وأتى من أحفاد أجدادي من دونوا أسمائهم في سجلات أوائل الجمهورية، وصاروا أطباء ومهندسين في مختلف دول العالم وحققوا ما عجزت أنا عن تحقيقه. لا شك أنهم جميعا يقولون أن قصة كفاحي ألهمتهم، لكنهم تفوقوا على ملهمهم، وهذا الإنجاز وحده في عالمنا العائلي الصغير، يكفي ويشعرني بالرضى التام.
هكذا كانت الأحلام والتمنيات؛ أقصى أمنية جدي أن نكون قادرين على قراءة المصحف، ووالدي يتمنى أن نوفر العيش الكريم للأسرة من أي عمل متاح طالما هو حلال وقانوني. وأنا تمنيت ألا ينهار العالم قبل أن أنهي شهادة الثانوية، وأن استطيع العمل في محطة بنزين بدلا من ورشة قطع الغيار!
ودارت الأيام، وجاء من ترك العمل بالحقول ورعي الأغنام ليجد نفسه جالسا يوما ما على طاولة واحدة في المكتب البيضاوي مع رئيس أقوى دولة وُجدت على مر التاريخ، لمناقشة شؤون البلد والعالم، ويتم تعيينه سفيراً أو مبعوثا خاصا أو كبير المستشارين، لا يهم المنصب بقدر ما تهمّنا رمزية الحدث.
قبل ذلك كسبنا ثقة الناس وانتُخبت عمدة لمدينة يسكنها عشرات الآلاف من قوميات وخلفيات متنوعة ويتحدث سكانها ما يقارب 32 لغة مختلفة. كسبنا ثقة الناس لأننا خدمناهم في المجال الطبي بأمانة وإخلاص، ولأننا تربينا على ألا نكذب ولا نغدر ولا نخون ولا نسرق ولا نظلم أحد، لكن لا نخضع لأحد، لا نسخر من أحد ولا نستهين بأحد ولا نسفّه رأي أحد ولا نكره أحد، ولا نضر بأحد إذا لم نستطع أن ننفعه. وهذا الأخير مبدأ مهم تعلمناه حتى في الطب : Non-maleficence Do no harm!
لا تعمل شيئا يضر بالآخرين. إذا لم تستطع مساعدة الناس فأكفهم الضرر، و في الغالب، لن تجد شخصا محترما على قدر من العلم والتربية والثقافة يستميت في البحث عن عثراتك، بل سيقدر جهودك وإنجازاتك مهما كانت متواضعة، ولن تجد السخرية والتهريج إلا ممن تعثر في بداية الطريق وفي أولى درجات السلّم، فأصبح يكره النجاح والناجحين.
ومن لم يتمكن من تحقيق بعض أهدافه في الحياة، لا يعني ذلك أنه فاشل، بل ربما لم تساعده الظروف ولم تتح له الفرص المناسبة لتحقيق أهدافه مثلما أتيحت لغيره. هناك من منعته وقيّدته البيئة التي يعيش فيها والظروف المحيطة به من الإبداع والتميز.
لكل واحدٍ منا قصةٌ فريدة من الكفاح، فلا تستهن أبدا بما أنجزته في حياتك ولا تقارن نفسك بمن هم أفضل منك فتصاب بالإحباط، لأن ظروف الآخرين لا تشابه ظروفك. واختر دائما قدوةً حسنة لك ولأبنائك، ولا تلقي بالاً للمثبطين واصحاب الأفكار السلبية الهدامة.
أن تتمنى الفشل لغيرك، لا يجعل منك إنسانا ناجحا أبدا، حتى لو تحققت أمنيتك، خصوصا إذا كنت متعثرا في أولى درجات سلّم النجاح ومن تسخر منه وتتمنى له الفشل قد بلغ أعلى درجات السلّم. وإذا كنت أنت من في أعلى تلك الدرجات، فإياك أن تلتفت إلى أصوات الضجيج الصادرة من أسفل السلّم، لأنك لو فعلت، ربما تسقط، وربما تتوه وتفقد التركيز على تحقيق هدفك الكبير، وهو الوصول إلى القمة.
وسواءً عملت في مصنع قطع غيار السيارات أو في عيادة طبية، في دكان أو محطة بنزين أو في غرفة العناية المركزة، في مكتب العمدة أو في الجناح الغربي للبيت الأبيض، فأنت تعمل بشرف وتؤدي رسالتك النبيلة في خدمة الناس حسب قدراتك وإمكاناتك، وتكافح من أجل العيش بكرامة. لقد فعلتُ كل ذلك، بل وعانيتُ من البطالة في بعض الأوقات وعشت كل التجارب التي يعيشها البسطاء والنخبة من الناس.
المهم ألا تؤذي أحد، Do no harm, وستأتيك البشائر من حيث لا تحتسب، فطوبى لمن شغل نفسه بعيوبه عن عيوب الناس.
خذوا مني هذه النصائح المتواضعة، من شخص عصرته الحياة والتجارب بحلوها ومرها في سنٍ مبكر، ولم تكن دروبه أبدا مفروشة بالورد والياسمين.
لا تأخذوا برأي من يستهين بقدرات الآخرين ويسفّه آرائهم ولا يريهم إلا ما يرى. هذه العينة تعاني من صراع داخلي مرير ممزوج بالشر والخبث والكراهية، حتى وإن توفرت لهم اسباب القوة والنجاح الشكلي المؤقت في الحياة، ف "قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر.
سيتّهمك من رضع الكراهية مع حليب أمه بأنك تكرهه، ومن يحيك الدسائس عليك ليل نهار بأنك تتآمر عليه، ولأنك لم تشرعن وتقونن الرذيلة، بأنك متعصب ولا تفقه في السياسة. أما خريج الكتاتيب والمعلامة، مع كل الاحترام والحب لمن لم تساعده الظروف في اكمال تعليمه لظروف قاهرة، فسيقول عنك أنك جاهل وفاشل. ابتسم في وجوههم جميعا وقل لهذا الأخير بالذات: أنت أحسن واحد على ظهر الكوكب، وإن لزم الأمر فقل له: بل أنت النجم الأكثر سطوعا في مجرة درب التبانة، وأمض في طريقك ولا تضيع وقتك في الصراعات العبثية، ودعه يخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولا.
العقاب الثالث الذي حدث لي اثناء خدمتي كعمدة، هو اتهامي زورا وبهتانا بمعاداة شرائح معينة من المجتمع، بينما أنا كرست وقتي وجهدي ومهاراتي التي اكتسبتها خلال مسيرتي الأكاديمية والعلمية الطويلة، لخدمة الجميع بالتساوي وبدون تمييز.
أُتهمت بمعاداة المثليين، ورفعت عليّ الدعاوى القضائية، وخرجت ضدي المظاهرات، وهاجمتني الصحف بعدوانية مرعبة، فقط لأنني رفضت دعم بعض القيم التي تتعارض مع قيمي وأخلاقي وأخلاق غالبية المجتمع وانحزت للفطرة السليمة، دون التسبب بمضايقة أو تضييق حريات أحد من المنتمين لهذه الشريحة من المجتمع.
رُفعت ضدي الدعاوى القضائية بتهمة التمييز والكراهية وانتصر لي القضاء في النهاية.
وأُتمهت ظلما بمعاداة السامية، حيث بدأت الإتهامات الباطلة من الصحف المحلية وانتهت في أروقة صناعة القرار في واشنطن. تعرضتُ لمحاكمة هوية ومحاكمة نوايا مبنية على افتراضات، لم يسبق لها مثيل. كل شيء تم فحصه وتدقيقه عدا كفاءتي ومهاراتي وخبراتي وولائي لهذا البلد.
كنا في حكومة المدينة قد أصدرنا بيانا يدين معاداة السامية عام 2022, وأنا نفسي عربيٌ سامي، وليس من المنطق أن يتهمني أحد بمعاداة السامية. حدث ذلك قبل أن يخطر على بال أحد أنه سيتم تعييني مستقبلا سفيرا أو غير ذلك.
هناك فرق بين معارضة سياسات معينة لحكومات معينة، وبين الكراهية لدين أو عرق أو جماعة.
هذه التهم الباطلة تسببت لي بأضرار نفسية ووظيفية جسيمة والإضرار بسمعتي وتعريض حياتي للخطر.
لقد انتصرت على خصومي السياسيين في كل شيء؛ في الانتخابات وفي المعارك السياسية والإعلامية والقضائية، وعندما عجزوا عن إسقاطي، استعانوا بأقوى جماعات ضغط سياسية وُجدت في تاريخ هذا العالم من أجل إيقاف مسيرتي المهنية والسياسية، وحين يصبح الخصم هو القاضي وبراهينه تعتمد على التضليل والتزييف، تفقد المعركة مشروعيتها وأخلاقياتها، ومن الحكمة التوقف في مواجهة غير متكافئة سياسيا وماليا وإعلاميا، ومنحرفة أخلاقيا.
ورغم ذلك، طالما هناك رغبة وشغف لخدمة المجتمع، فسوف نستمر في تقديم خدماتنا للناس من أي مكان وفي أي زمان.
لا ننسى أن نتقدم بخالص الشكر لكل من دعمنا ووقف إلى جانبنا بالقول او بالفعل، بالدعم المادي او المعنوي، خلال مشواري التعليمي المستمر والذي ليس له نهاية، وفي المشوار السياسي، من أول يوم أعلنا فيه الترشح لمنصب العمدة وإلى ما لا نهاية.