لحظة الدولة.. لماذا أصبحت الفرصة مواتية أمام رشاد العليمي الآن؟
الأحد, 18 يناير, 2026 - 10:01 مساءً

تمر اليمن اليوم بلحظة سياسية نادرة لا تُقاس فقط بتبدلات موازين القوة، بل بانكشاف المعادلة المختلّة التي عطّلت استعادة الدولة لسنوات، وللمرة الأولى منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي تبدو الفرصة متاحة أمام رشاد العليمي كي ينتقل من موقع “الرئيس التوافقي المقيَّد” إلى موقع “الرئيس الفعلي” الذي يمسك بزمام الدولة، شرط أن يُحسن قراءة اللحظة، وألا يسمح لها بالانفلات أو التآكل.
 
هذه ليست لحظة عابرة، بل منعطف قد يحدّد مصير الشرعية نفسها.
 
منذ تأسيس مجلس القيادة الرئاسي لم تكن المعضلة الحقيقية في شخص رئيسه، بقدر ما كانت في طبيعة المجلس ذاته، مجلس تشكّل من أطراف تمتلك قوى عسكرية مستقلة، وولاءات مناطقية أو إقليمية متشابكة، ويتحرّك أعضاؤه سياسياً خارج أي انضباط مؤسسي حقيقي، وقد أفرز هذا الواقع نتائج واضحة:
•رئاسة تفتقر إلى أدوات تنفيذية فاعلة.
•قرارات تُفاوض وتُعاد صياغتها بدلاً من أن تُنفَّذ.
•دولة مؤجَّلة تحت شعار “التوافق”.
 
هذا الخلل لم يُضعف موقع الرئيس فحسب، بل أصاب مشروع استعادة الدولة بالشلل، وترك معركة إنهاء الانقلاب الحوثي تدور في حلقة مفرغة بلا حسم ولا اتجاه واضح.
 
ما تغيّر اليوم هو انهيار أحد الأعمدة الأساسية للتمرد داخل معسكر “الشرعية” ذاته، فإزاحة نفوذ عيدروس الزبيدي ومكوّنه السياسي العسكري لم يكن تطوراً أمنياً أو سياسياً عابراً، بل تحوّلاً بنيوي أنهى وهم “تعدد مراكز القرار” داخل الدولة الواحدة.
إشكالية هذا المكوّن لم تكمن فقط في مشروعه الانفصالي، بل في موقعه المركّب داخل بنية الشرعية:
•عضو في مجلس القيادة الرئاسي.
•قائد لقوة مسلحة خارج سلطة الدولة.
•ورأس مشروع سياسي يناقض فكرة الدولة المركزية ذاتها.
 
بهذه المعادلة كان التمرد يُمارَس من داخل أعلى هرم السلطة، وتُفرَّغ الشرعية من مضمونها، ويُكبَّل القرار الرئاسي بذريعة “الشراكة”.
ومع سقوط هذه المعادلة، سقطت معها الذريعة التي كانت تُقيّد الرئيس وتحيّد صلاحياته.
 
الفرصة أمام العليمي "إمّا دولة أو استمرار في الفراغ"
 
اليوم يقف رشاد العليمي أمام فرصة تاريخية نادرة في السياق اليمني، إمّا أن يُعيد تعريف موقعه كرئيس للدولة لا كمدير توازنات، أو أن تضيع اللحظة ويُعاد إنتاج الشلل بصيغ جديدة.
هذه اللحظة تفرض عليه بوضوح:
•ممارسة صلاحياته الدستورية كاملة دون تردّد.
•إعادة ضبط العلاقة داخل مجلس القيادة على أساس الانضباط المؤسسي لا موازين القوة.
•وضع حد نهائي لمنطق “القوة فوق الدولة”.
 
فالدولة لا تُستعاد عبر التوافق الدائم، بل بفرض هيبة القرار الشرعي، وتحويل الشرعية من إطار سياسي هش إلى سلطة فعلية،
فالمتغيّر الراهن لا يستهدف شخصاً بعينه بقدر ما يستهدف نمطاً كاملاً من السلوك السياسي الذي عاش على هامش الدولة وتحت مظلتها في آن واحد.
 
 وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي الآخرون مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى، بإدراك أن الشرعية لم تعد مظلة لمشاريع خاصة، وأن السلاح لم يعد ورقة تفاوض داخل الدولة، والانصياع للرئاسة لم يعد خياراً سياسياً، بل شرطاً لبقاء الكيان نفسه، المرحلة القادمة لا تحتمل ازدواجية الولاء، ولا لعبة الحواف، ولا الرسائل المزدوجة للداخل والخارج.
 
وقبل الحديث عن إسقاط الانقلاب الحوثي، لا بد من إنهاء الانقلاب الداخلي على الدولة، فلا يمكن مواجهة جماعة انقلابية مسلحة، بينما الشرعية نفسها كانت رهينة تعدد الجيوش وتضارب الرايات.
 
ومع تفكك أحد أخطر مراكز التمرد، بات الطريق ممهّداً:
•لإعادة توحيد القرار العسكري.
•إخضاع التشكيلات المسلحة لسلطة الدولة.
•إعادة تعريف معركة اليمن باعتبارها معركة جمهورية ضد انقلاب، لا صراع مشاريع داخل معسكر الشرعية.
 
ما يجري اليوم ليس نهاية الصراع، لكنه بداية استعادة المعنى الحقيقي للشرعية، ورشاد العليمي إن لم يلتقط هذه اللحظة، فقد لا تُمنح له مرة أخرى.
 
اليمن لا يحتاج رئيساً يدير التوازنات، بل رئيساً يكسرها لصالح الدولة والتاريخ في لحظات التحوّل الكبرى، لا يرحم من يقفون عند مفترق الطرق ثم يختارون الانتظار.
 

التعليقات