سعيد الشهابي

سعيد الشهابي

*كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

كل الكتابات
اليمن والصراع على باب المندب
الإثنين, 19 يناير, 2026 - 01:48 مساءً

اليمن، مهد الحضارات القديمة وصاحب المواقف القومية الرائدة، يواجه منذ عقود عددا من القضايا الصعبة، ويسعى للتعايش مع ظروف اقتصادية غير ميسّرة. ونظرا لأهميته يتواصل الصراع الداخلي والإقليمي والدولي من أجل الهيمنة عليه.
 
هذا البلد الذي واجه صعوبات اقتصادية جمّة، وكان هدفا للاعتداءات الإسرائيلية وتعرّضت أراضيه للتمزيق، ما يزال يصارع من أجل البقاء، وهو صراع مرير لم يتوقف في آخر فصوله، منذ أكثر من ثلثي القرن. فقد تم تقسيمه إلى جزأين، شمالي وجنوبي بعد استقلال الشمال عن الدولة العثمانية عام 1918 واستقلال الجنوب عن بريطانيا عام 1967، ليُعرفا لاحقاً بـ«الجمهورية العربية اليمنية» و«جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية» وظل هذا الانقسام قائمًا حتى تحقق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990. وناضل جنوبه بقوة للاستقلال عن الاستعمار البريطاني، وتكلل هذا الكفاح بثورة 14 أكتوبر 1963، التي قادتها الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن، وانتهت بجلاء آخر جندي بريطاني في 30 نوفمبر 1967، معلنة قيام «جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية». ومنذ ذلك الوقت عمل الطرفان لتحقيق الوحدة التي أعلن عنها في العام 1990. ولكنها سرعان ما انتهت بعد أربعة أعوام، ليعود الجنوب عرضة للأطماع. وبرغم الجهود الرامية لتوحيد طرفي اليمن، ما تزال الأطماع الشخصية والسياسية تحول دون ذلك. وإذا كانت الأبعاد الأيديولوجية قد منعت ذلك في الماضي عندما كان الجنوب محكوما بنظام شيوعي ماركسي، فإن الأمر لم يتغيّر بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتلاشي البعد الأيديولوجي. فالأطماع السياسية تغلّف أحيانا بذرائع أيديولوجية أو مصالح استراتيجية، ولكنها تبقى، في جوهرها، تعبيرا عن الطمع في توسيع النفوذ والثروة.
 
ليس خافيا وجود أطماع إسرائيلية قديمة تتجدد من أجل الهيمنة على اليمن. فكيان الاحتلال يطمح للسيطرة على الممرات المائية المهمّة في المنطقة ليستطيع التحكم والسيطرة وضمان إبحار أساطيله بدون معوّقات سياسية أو عسكرية كبرى. ففي 6 مايو 2025، شنّت القوات الجوية الإسرائيلية غارات جوية مكثفة على مطار صنعاء الدولي، الواقع تحت سيطرة جماعة أنصار الله، ما أدى إلى تدميره بالكامل. ووفقًا لما أعلنه مدير المطار خالد الشايف لقناة «المسيرة» التابعة للحوثيين، بلغت الخسائر الأولية الناتجة عن القصف نحو 500 مليون دولار. وبرغم أن ذلك العدوان أحدث أضرارا كبرى لكنه لم يدفع اليمن للاستسلام أو التخلّي عما يعتقده حكامها من مسؤوليات إنسانية تجاه فلسطين وأهلها الذين يرزحون تحت الاحتلال ويتعرضون للاعتداءات التي وصفت أحيانا بـ «الإبادة». وفي هذا المسار اعتمدت «إسرائيل» سياسة ثابتة تهدف لتمزيق الصف العربي ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. وها هي اليوم تبادر للاعتراف بما يسمى «أرض الصومال» التي انفصلت عن جمهورية الصومال ضمن خطط التمزيق والتجزئة التي تتعرض لها الأمة.
 
ومنذ عقود تسعى قوات الاحتلال لضمان موطئ قدم في القرن الأفريقي لكي تستطيع التحكم في مدخل البحر الأحمر. ووجدت في حوادث الصومال مجالا لذلك. فالسيطرة على باب المندب حلم إسرائيلي قديم يتجدد مع الظروف، ويبقى جزءا من الاستراتيجية الإسرائيلية.
 
في ديسمبر الماضي أعلنت «إسرائيل» رسميًا اعترافها بـ «أرض الصومال» (صوماليلاند) كدولة مستقلة ذات سيادة، وهي خطوة استراتيجية في القرن الأفريقي تهدف لتوسيع نفوذها في منطقة البحر الأحمر وتأتي كجزء من «اتفاقيات أبراهام» للتطبيع. أثارت هذه الخطوة إدانات دولية واسعة من دول عربية وإسلامية، بينما تسعى الحكومة الصومالية والمنظمات الدولية لرفضها وإلغائها، معتبرين إياها تهديدًا لوحدة الصومال وسيادة المنطقة. وتُبذل جهود حثيثة لضمان وحدة الصومال وسيادته وأمنه. وعندما أعلنت الإمارات مؤخرا سحب قواتها من اليمن اعتُبر ذلك خطوة تساهم في استقرار البلاد وتؤدي لاسترداد السيادة وتوحيد البلاد.
 
تاريخيا كان الجنوب يمثل الحالة الثورية في المنطقة في حقبة الحرب الباردة، حيث كان متحالفا مع الاتحاد السوفياتي، خصوصا خلال تصدّي مجموعاته المسلحة للاستعمار البريطاني الذي انتهى في العام 1967. وعلى مدى العقود الماضية أثبت اليمن بشقيه استعصاءه على التدخلات الخارجية، لأن اليمنيين عرفوا بالشدّة في الحرب ورفض الأطراف الخارجية التي تستهدف بلادهم. وحتى البريطانيين لم يستطيعوا الحفاظ على وجودهم بوجه المقاومة الشديدة التي أجبرتهم على الانسحاب. فقد بقي البريطانيون في اليمن (جنوب اليمن تحديداً) لمدة 128 عاماً تقريباً، منذ احتلال عدن عام 1839 وحتى جلاء آخر جندي في 30 نوفمبر 1967، حيث كانت عدن مستعمرة بريطانية وقاعدة بحرية هامة في طريق الهند، وخضعت مناطق الجنوب لسيطرتهم بموجب معاهدات حماية، ليصبح تاريخ انسحابهم هو عيد الجلاء.
 
عرف أهل اليمن باعتناقهم الإسلام في سنواته الأولى. فقد دخل الإسلام بلادهم في السنة الثامنة للهجرة (630 ميلادية) طواعيةً بشكل كبير، على يد الصحابيين علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل، اللذين أرسلهما النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام للدعوة، فأسلمت القبائل اليمانية كقبيلة همدان وغيرها طوعًا، وتم تثبيت الإسلام من خلال ولاة وعمّال أرسلهم النبي عليه افضل الصلاة والسلام، ليعلّموا الناس الدّين ويجمعوا الصدقات. وشهدت هذه الفترة بناء مساجد تاريخية مهمّة. وتجدر الإشارة إلى مملكة سبأ التي أشار إليها القرآن الكريم، وهي حضارة عربية قديمة ازدهرت في اليمن، اشتهرت بـثروتها وتقدمها الهندسي (سد مأرب) وسيطرتها على طرق البخور، وكانت عاصمتها مأرب، وتُعرف قصصها الدينية بـملكة سبأ (بلقيس) مع النبي سليمان، وتم إدراج آثارها ضمن تراث اليونسكو العالمي.
 
ومارس اليمنيون أدواراً محورية في الفتوحات الإسلامية كجنود وقادة (مثل معد بن أبي يكرب وعبد الرحمن الغافقي) وساهموا بقوة في نشر الإسلام خارج الجزيرة العربية عبر التجارة إلى جنوب شرق آسيا (إندونيسيا، ماليزيا، بروناي) وفي بناء حضارات ونهضتها، مع الحفاظ على تقاليدهم الإسلامية الأصيلة وتأثيرهم السياسي والتجاري المستمر حتى اليوم، وكانوا سنداً قوياً للرسول محمد.
 
في الوقت الحاضر عُرف اليمنيون بمواقفهم القومية وحرصهم على الانتماء للأمّة وقضاياها. فلم يغيبوا عن الصراعات الكبرى كقضية فلسطين بالإضافة لقضايا الثورة والوحدة والقضايا المرتبطة بتقرير المصير. وبرغم ما مرّوا به من صعوبات معيشية فقد أظهروا دعما واضحا للقضية الفلسطينية وأعلنوا بوضوح وقوفهم مع أهل غزّة خلال الحرب الأخيرة. وأطلقوا الصواريخ بعيدة المدى التي أصابت ميناء إيلات وكشفوا بذلك حدود القوة الإسرائيلية. وبدعم أمريكي مكشوف استهدف الإسرائيليون مواقع يمنية عديدة أهمها ميناء الحُديدة الذي يُعتبر الشريان الحيوي لليمن. وبعد ذلك بقي اليمن متماسكا، وما يزال قادته يصرّحون بانتمائهم للأمّة وقضاياها والمشاركة في الدفاع عن شعوبها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ولا بدّ أن قادته أدركوا الآن عددا من الأمور المهمّة: أولها أن لديهم قوة محدودة لا تستطيع حمل مهمّة الدفاع عن الأمة بشكل كامل، ثانيها: أن لديهم شعبا ينتظر منهم أداء سياسيا واقتصاديا يوفر احتياطاتهم الأمنية والحياتية. ثالثها: أن عليهم مسؤوليات إنسانية وعربية تجاه فلسطين والقضايا الأخرى، ولكنهم لا يستطيعون الزج بكل ما لديهم في تلك المهمة.
 
ونظرا لأهمية اليمن ودور أهلها في دعم القضايا العربية والإسلامية خصوصا قضية فلسطين كانت هدفا لـ «إسرائيل». فقد كان استهداف الملاحة الدولية مرتبطا بدعم غزة واقتصر على السفن المرتبطة بالاحتلال، وتوقف مع وقف العدوان. وتعمّد الكيان الإسرائيلي توسيع نفوذه في القرن الأفريقي، وكان على رأس ذلك إقامة علاقات مع أريتريا، وإقامة قاعدة عسكرية قرب باب المندب. وبذلك تعتقد «إسرائيل» أنها ضمنت تأمين طرق ملاحتها عبر البحر الأحمر. وهذا يمثل تحدّيا لكل من اليمن والصومال اللتين تطلّان بشكل مباشر على المضيق وتستطيعان التحكم في مساراته.
 
فاليمن يسيطر على جزيرة ميون (بريم) التي تقسم المضيق وتمنح اليمن أفضلية السيطرة على الملاحة الدولية الهامة، مما يجعله محورًا للتنافس الإقليمي والدولي لتأمين مصالح تجارية وأمنية، لكن عدم الاستقرار السياسي والتدخلات الخارجية عرقل استفادة اليمن من هذه الأهمية. ولذلك سيظل اليمن وقادته يراقبون ما يمكن اعتباره «صراع قوى» بين الأطراف العربية وكيان الاحتلال من جهة، وكذلك القوى الكبرى وما تسعى له من هيمنة ونفوذ أيضا. ولا يقبل حكام اليمن أن يكونوا قطع شطرنج يحرّكها غيرهم ضمن تلك الصراعات، بل يريدون ممارسة دور فاعل يوفّر لهم هيبة قانونية وسياسية عند التعاطي مع الشؤون الإقليمية والممرّات الحيوية والمصالح الاستراتيجية. كما يريدون أن يحتفظ اليمن بدوره التاريخي والحضاري المرتبط بالإسلام والأمّة ومصالح المسلمين، ويرفضون تهميشه أو إبعاده عن موقعه المحوري. ولذلك يُتوقع استمرار المخاضات السياسية والعسكرية بمشاركة كافة أطراف الصراع الإقليمي، لضمان مآلات تلك المخاضات التي يهتم بنتائجها كافة الأطراف الإقليمية والدوليّة. فباب المندب شريان حيوي لا يستطيع النظام السياسي تجاهله أو تهميشه أو تحقيق سيطرة مطلقة عليه.
 
*نقلا عن القدس العربي
 

التعليقات